محمد بن زكريا الرازي

130

الحاوي في الطب

هؤلاء يتنفسون تنفسا عظيما متفاوتا ، وانجذاب الشراسيف إلى فوق يظهر في ورم الحجاب منذ أول الأمر ، وفي الدماغ في آخر الأمر ، والحرارة تكون في الرأس أكثر متى كانت العلة في الدماغ وفي البطن متى كانت في الحجاب . الأولى من « تقدمة المعرفة » : قال : السرسام قتال جميع جنسه ، قال : الأحداث يموتون من الحميات التي يختلط فيها العقل ويكون فيها خراج خارج في الصماخ أسرع مما يموت الكهول والمشايخ . الأولى من « الفصول » : من كان به وجع شديد ولا يحسه فعقله مختلط . الثالثة : الجنون يعرض في الخريف بحسب كثرة الأخلاط الرقيقة الرديّة الصفراوية فيه ، قال أبو بكر : العامة تسمي مجنونا أصحاب الصرع والماليخوليا والاختلاط ، وبين هذه الثلاثة فرق كثير وذلك أن أصحاب الصرع أصحاء في كل حال إلا في ذلك الوقت ، والماليخوليا ليس معه سهر ولا توثب على الناس ولا يخلط كثير في كلامه بل ربما لم يكن مخالفا للأصحاء إلا في أشياء قليلة بأفكار رديّة ، وإذا طال به خلط تخليطا كثيرا إلا أنه في ذلك كله ينحو نحو العاقل ويلزمه الخوف والفزع والغم . وأما الجنون فمعه توثب وحركات سريعة قوية وسهر واختلاط دائم لا بثقل . الرابعة : قال : كل اختلاط يكون مع جرأة وإقدام وخبث نفس فإنه من السوداء ، واستدل أيضا مع ذلك بسائر دلائل غلبة السوداء . لي : يقول إنه من السوداء التي عن اختراق الصفراء التي من الخلط الأسود إذا كان مع الحمى التي مع ورم الدماغ البول الأبيض الرقيق القوام فإنه دال على علامة الهلاك ولا أعلم أحدا هذه حاله سلم ، وذلك أن الأجود إذا كانت هذه العلل مرارية أن يرى الغالب فيها على البول المراري . لي : إذا ابيض البول في ابتداء السرسام فإنه سيحدث اختلاطا وإن لم يكن كان بعد . الخامسة : إذا انعقد للمرأة في ثدييها دل ذلك على جنون ، لأن ذلك يدل على أنه قد صار إلى أعالي البدن دم حار كثير يبلغ من حرارته ، وحرارة البدن كله أن يستحيل ذلك الدم إلى اللبن ، وفي ذلك الحال لا يؤمن من أن يصير من ذلك البخار إلى الرأس فيختلط العقل . السادسة : كل اختلاط يكون مع ضحك فهو أسلم ، وما كان مع حزن وهم فهو أردأ ، والذي مع جرأة وتوثب وإقدام شر أيضا لأن الأول يكون من دم أسود أو حرارة من غير خلط رديء كالحال في اختلاط العقل الكائن عن الشراب والذي مع جرأة يكون عن السوداء ، والكائن مع توثب يكون من السوداء الحادث عن احتراق الصفراء وهذا الخلط في غاية الرداءة . قال : والجنون لا يكون في حال من البلغم لأنه يحتاج في كونه إلى أن يكون الخلط المحدث له لذاعا مهيجا والصفراء دائما بهذه الحال ، وأما السوداء فإنها تصير بهذه الحال في بعض الأحوال إذا احترق احتراقا كثيرا وعفن وصار له حدّة حينئذ . لي : قد بين جالينوس ها هنا أن الجنون شبيه بشباهة الصفراء .